ابن ميثم البحراني

268

شرح نهج البلاغة

ومَنْزِلِ وَحْشَةٍ ومُفْرَدِ غُرْبَةٍ - وكَأَنَّ الصَّيْحَةَ قَدْ أَتَتْكُمْ - والسَّاعَةَ قَدْ غَشِيَتْكُمْ - وبَرَزْتُمْ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ - قَدْ زَاحَتْ عَنْكُمُ الأَبَاطِيلُ - واضْمَحَلَّتْ عَنْكُمُ الْعِلَلُ - واسْتَحَقَّتْ بِكُمُ الْحَقَائِقُ - وصَدَرَتْ بِكُمُ الأُمُورُ مَصَادِرَهَا - فَاتَّعِظُوا بِالْعِبَرِ - واعْتَبِرُوا بِالْغِيَرِ وانْتَفِعُوا بِالنُّذُرِ أقول : الشول : النوق الَّتي جفّ لبنها وارتفع ضرعها وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر . الواحدة شائلة على غير قياس . والارتباك : الاختلاط . وحمة العقرب : إبرتها ، وهي محلّ سمّها . والرتاج : الغلق . وقد حمد اللَّه تعالى باعتبارات : أحدها : جعله الحمد مفتاحا لذكره في عدّة سور . الثاني : كونه سببا للمزيد من فضله ، والمراد بالحمد هنا الشكر لقوله تعالى « لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ » ( 1 ) وقد عرفت إعداده لزيادة النعم . الثالث : ودليلا على آلائه . لاختصاص الشكر بمولى النعم ، وعلى عظمته . لاختصاصه باستحقاق ذلك لذاته . إذ هو مبدء لكلّ نعمة ، ولأنّ الحمد لا ينبغي إلَّا له ، ثمّ أخذ في الموعظة فنبّه السامعين على فعل الدهر بالماضين ليتذكَّروا أنّهم أمثالهم ولاحقون بهم فيتقهقروا عن غيّهم ويعملوا لما بعد الموت . ثمّ نبّه على حاله في تقضّيه بأنّ كلّ وقت مضى منه لا يعود ، وأنّ كلّ وقت منه له أهل ومتاع من الدنيا إنّما يكون في الوجود بوجود ذلك الوقت ، وظاهر أنّه تنقضى بتقضّيه ولا يبقى سرمدا ما فيه ، وأنّ آثاره متشابهة آخرها كأوّلها : أي يوجد ما يكون بإعداد وقت منه بوجود ذلك الوقت وينقضي بانقضائه فحاله دائما على وتيرة واحدة ، وكذلك قوله : متشابهة أموره فإنّه كما كان أوّلا يعدّ قوما للفقر وقوما للغنى ،

--> ( 1 ) 14 - 7 .